الشيخ الطبرسي

152

تفسير مجمع البيان

آمرا له أن يخير أزواجه فقال : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزيتها ) أي : سعة العيش في الدنيا ، وكثرة المال ( فتعالين أمتعكن ) أي : أعطكن متعة الطلاق . وقد مر بيانها في سورة البقرة . وقيل : أمتعكن بتوفير المهر . ( وأسرحكن ) أي : أطلقكن ( سراحا جميلا ) والسراح الجميل : الطلاق من غير خصومة ، ولا مشاجرة بين الزوجين . ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ) أي : وإن أردتن طاعة الله ، وطاعة رسوله ، والصبر على ضيق العيش والجنة . ( فإن الله أعد للمحسنات ) أي : العارفات المريدات الإحسان ، المطيعات له . ( منكن أجرا عظيما ) . واختلف في هذا التخيير فقيل : إنه خير هن بين الدنيا والآخرة ، فإن هن اخترن الدنيا ومحبتها ، استأنف حينئذ طلاقهن بقوله : ( أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) عن الحسن . وقيل : خير هن بين الطلاق ، والمقام معه ، عن مجاهد ، والشعبي ، وجماعة من المفسرين . واختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال أحدها : إن الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها ، فلا شئ . وإن اختارت نفسها ، تقع تطليقة واحدة ، وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وثانيها : إنه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات . لان اختارت زوجها ، تقع واحدة ، وهو قول زيد بن ثابت ، وإليه ذهب مالك وثالثها : إنه إن نوى الطلاق كان طلاقا ، وإلا فلا ، وهو مذهب الشافعي ورابعها : إنه لا يقع بالتخيير طلاق ، وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، ولو اخترن أنفسهن لما خيرهن ، لبن منه . فأما غيره فلا يجوز له ذلك ، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام . ثم خاطب سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) أي : بمعصية ظاهرة ( يضاعف لها العذاب ) في الآخرة ( ضعفين ) أي مثلي ما يكون على غيرهن ، وذلك لأن نعم الله سبحانه عليهن أكثر ، لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهن ، ولنزول الوحي في بيوتهن . فإذا كانت النعمة عليهن أعظم وأوفر ، كانت المعصية منهن أفحش ، والعقوبة بها أعظم وأكثر . وقال أبو عبيدة : الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثة ، فيكون عليهن ثلاثة حدود ، لأن ضعف الواحد مثله ، وضعفي الشئ مثلاه . وقال غيره : المراد بالضعف المثل ، فالمعنى أنها يزاد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله ( نؤتها أجرها مرتين ) . ( وكان